الرئيسية الصوتيات والمرئيات

مزيد من المواد والمقالات

نبضات المحبين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين وبعد.. سيدي السلام عليكم و رحمة الله و بركاته اسمح لي أن أذكر بعض ارتساماتي المتواضعة -كتلميذ للشيخ- بخصوص حلقة: "سيدي يا رسول الله" على قناة الناس.. أزعم ابتداءً أن الخطاب في الحلقة رغم تلفّعه بغطاء نداء الرسول صلى الله عليه و سلم إلا أنه موجه في العمق إلى الأمة.. كل الأمة.. ذلك أن الاعتذار ليس بحثا عن الإعذار فحسب، بل هو لوحة يرسم من خلالها فضيلة الشيخ بعض ملامح الانحطاط الذي أحدثه في جسم الأمة جريُها وراء الملعونة. إن كل جملة إخبارية في الخطاب هي تقريع لأهل الغفلة الذين "يأكلون الحلوى و يبتلعون البلوى".. كما أن كل جملة إنشائية تحمل من الإحراج لأهل الغيرة ما الله به عليم.. و دعني أبسط لك مثالا يوضح بعض ما أرمي إليه مما سبق، و هو لعمري مما يدمي القلب حسرةً.. عندما كان فضيلة الشيخ يهمّ بتسييد سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم توقف فجأة مضطرا ليعلن منهجه و يوضح عقيدته قبل أن يستطرد.. حينها أدركْتُ أن الأمة لن تنتصر ما دام فيها من يدفع العلماء إلى شرح الواضحات أحيانا ليَسْلَموا من سهام النقد البليد الحاقد. في كثير من الأحيان -و هذه ملاحظة عامة- أجد شيخنا يتوقف ليعلن أن الاغتناء من حلال -مثلا- ليس حراما، و أن الثوب النظيف ليس حراما.. حسنا؛ هل يختلف اثنان حول حكم ما سبق؟ لا أظن !! لماذا إذن يتغير مسار حديث الشيخ في بعض الأحيان ليشير إلى حكم أشياء هي في الأصل مما لا يسع جهله، و مما لا يُطلب الاختلاف فيه؟؟ السبب أننا نعيش في زمان الرويبضة و المتفيقهين الذين ماراعوا حرمة أهل العلم و لا حفظوا لهم مكانتهم، فتجدهم يتتبعون أخوات: (ويل للمصلين) لينفخوا فيها و لينفّروا الخلق ممن على الخالق يدلونهم. إنه الواقع المرير الذي ذكرت آنفا أن فضيلة الشيخ يرويه بشكل أو بآخر عبر بوابة نداء المصطفى صلى الله عليه و سلم. هذا؛ وقد راقني اعتماد الأسد في الحلقة على الجمل القصيرة المكثفة التي تشعرك أن كلا منها نص في ذاته.. وكعادته أجاد توظيف الأسئلة المستفزة التي توقظ النيام فضلا عن ذوي القلوب المتيقظة.. كما عمد فضيلته إلى الاتكال على نهج الهدوء الصارخ؛ الهدوء الذي تتغلغل عبره الكلمات إلى أعماق الأعماق.. أما المستوى البلاغي في الحلقة فتلك حكاية أخرى؛ والحديث عنها ذو شجون.. فرغم أن الخطاب جاء تلقائيا غير مصطنع، إلا أنه حمل في طياته تنوعا بين علوم البلاغة، وإن مالت الكفة في أغلب الأحيان لفائدة علم المعاني المتمثل بالدرجة الأولى في الإنشاء الطلبي، و شاهده كثرة الاستفهام و النداء. و أدعوك أن تقاسمني -في هذا الباب- تذوق هذا المثال، و هو غيض من فيض: قال فضيلة الشيخ: {يأكلون الحلوى، و يبتلعون البلوى} التعبير فيه جملة أساليب منها الترادف بين الأكل و الابتلاع، و منها الجناس غير التام بين الحلوى و البلوى، و منها السجع لتشابه الفاصلتين، و الأهم من كل هذا هو أسلوب الكناية البديع الذي تفصيله كالتالي: المعروف أن الابتلاع تصيير الطعام إلى الجوف دون هضم، و ذي بلوى المسلمين في زماننا.. إن فضيلة الشيخ في التعبير المذكور يصوّر حالةً من الغفلة غريبةً، إذ إن المسلمين لا يتحرّون ربط تصرفاتهم بالمصادر الأمينة ليعبدوا الله على علم، والأدهى من ذلك أنه إن كان الأصل أن الابتلاع يُحْدِث صعوبة في رحلة قراره في البطن، فإن عدم الإحساس بهذه الصعوبة يُدخل المسلمين في خانة الرضا بالمعصية لعدم انزعاج القلب لحدوثها، بل إن واقع تبرير بدعة المولد يؤكد أمر الانحدار إلى مستوى الفرح بها، و هذه هي الطامة الكبرى.. على أية حال؛ كانت الحلقة حقا حلقة ملحمة..حلقة متفردة، و ما هذا بغريب على شيخ اعتدنا التميز منه عنوانا. غير أن الجديد اللافت و الصادم لأهل الطعن في الأفاضل هو أنها -أي الحلقة- مرّت فصيحة في معظمها، ذلك أن مخاطبة الشيخ لأهله بما يعقلون كان يفسّره بعض مَن أسأل الله تعالى أن يهديني و إياهم بأنه من باب الإعراض عن الأصل قصورا .. و كثيرا ما كنت أُخرِس هؤلاء بتوجيههم صوب الاستماع لخطبه المنبرية، حيث مدرسة الضاد تنتصب شامخة بلا ورقة. هذا؛ و قد باحت الحلقة بحس الشيخ "الرومانسي" الذي تبلور عبر المواقف التواصلية المختلفة.. ذلك أن البعد العاطفي المرهف طفا إلى السطح بكل الجلاء؛ فالغيظ في قسمات وجه الأسد غيظ، و التذمر في قبضة يده تذمر، و الحنوّ في كل الحواس حنو.. و التباينات في المواقف الانفعالية المختلفة ترجع بالأساس إلى تباين النزعات الفكرية التي استحوذت على معجم الشيخ في الحلقة , و هي التي أسست للنص رأيته للعالم. ومنها: * النزعة الواقعية: وهي تتجلى في رصد الشيخ لمختلف مظاهر التقهقر التي تسم حال الأمة، و التقاطه إياها بطريقة آلية فوتوغرافية تقف على جزئيات الأشياء. و مثالها وضع اليد على مكامن الخلل في جسم الامة، و أهمها الجري وراء الملعونة.. * النزعة الدينية السلفية: وهي التي تجعل من الدين مرجعا تحليليا للظواهر والقضايا المعالجة بأسلوب مباشر حازم لا يداهن و لا يسلّم. و قد تجلت هذه النزعة بوضوح عند بسط الشيخ أسس ومرتكزات عقيدته في بداية الحلقة. * النزعة الإصلاحية: وتتبدّى من خلال موقف الشيخ الرافض للمبتدعات والمحذر من بؤر الغفلة. و من تجلياتها كذلك إفراط الشيخ في المساءلة، و التذكير بالتوبة، و الدعوة إلى حمل همّ الدين، والوصية بإقامة الأمة في كل بيت.. بل في كل قلب.. *النزعة الانفعالية: و هي من دلائل الانسجام بين القول و الفعل افتراضًا؛ ولك أن تنظر إلى أسنان الشيخ كيف اصطكت عند الحديث عن "طلب دم الوغد"، ولك أن تعاين كذلك قسمات وجهه عند بسطه للتعارض الحاصل بين أخذ النبي صلى الله عليه و سلم بحجزنا عن النار، و داء البلادة المكتسبة التي تجعلنا بجهلنا نتقحم فيها. *النزعة الأبوية: و هي المؤطرة لكل النزعات السابقة و المحتضنة لها. وشاهدها من شهير كلام الشيخ: {أنا عليكم حريص، و لكم ناصح أمين}. هذا؛ و قد اعتمدت بنية الخطاب في الحلقة على منطق تعليلي تحليلي، و هذا راجع إلى أنّ المعجم الموظف واصف، و لغته لا تقف -و إن في حدود ضيقة- عند حدود نقل الواقع و تسمية الأشياء بمسمياتها، بل تخرق أسوار النمط التقريري أحيانا لتغوص بالمشاهد في عوالم إيحائية تفرض عليه المشاركة في إنتاج الخطاب عبر مجموعة مستويات مختلفة.. و لعل هذا هو ما دفع شيخنا إلى الاعتماد على الحوارات الافتراضية التي هي من تجليات ذكائه الشديد و فهمه الثاقب للتركيب الفكري للمتلقي.. لهذا تجده يتوقف كل حين ليطرح على نفسه أسئلة يخطفها من شفاه فئات من المشاهدين؛ فعندما يَسأل مثلا عن المانع من أن يكون كل منا مجدد العصر، يقفز سؤال أحدهم: "يا شيخ؛ أنا أصلا لا أحافظ حتى على صلاة الفجر!! فكيف أكون ذلك المحظوظ؟؟".. و هذا السؤال ومثله يستغله الشيخ لمعالجة بعض العلل في ذات الوقت بأسلوب دقيق مباشر و مختصر: "قم و صلّ، و قد تكون أنت المجدّد". و لم يخرج فضيلته عن عادته في الإمساك بتلابيب المشاهد من أول الحمدلة إلى تحية النهاية، فجاء عرضه للمضامين متناسقا قائما على التسلسل المنطقي التالي: * تشخيص حال الأمة عبر الاعتذار الموجه لرسول الله صلى الله عليه و سلم، ووضع اليد على بعض صور الهوان التي دفعت أهل الكفر إلى التجرؤ على خير الورى، ثم طلب الإذن من المصطفى -تأدبا- كي يخاطب الأمة مستنكرا سباحتها عكس تيار النص النقلي، إذ أصبحت تنحو في التدليل على حب المصطفى صلى الله عليه و سلم بما لم ينص عليه دليل من الكتاب أو السنة أو سيرة السلف. و بعد هذا التهييء النفسي عمد شيخنا إلى التساؤل عن سبل الخلاص من التخبط في البدع و الضلالات -بدعة المولد نموذجا-، فكان أن رسم للمتلقي منهجا ثلاثي الأبعاد يقوم على : طلب العلم .. العبادة .. الدعوة.. و من بديع حنو الشيخ أنه أبى إلا أن يعيد التساؤل في نهاية الحلقة ليطمئن علينا -حفظه الله- ، و ليضع اللمسات الأخيرة على مقصد التحلية. و عليه جاءت المضامين متسلسلة كما يلي: التشخيص ← العتاب ← العلاج ← الوصية فهنيئا لكم بمجاورة هذا الفاضل يا أفاضل، و "من جاور السعيد يسعد". فبصحبته تمسكوا، و استولوا على أقصى ما تبلغه طاقتكم من وقته الغالي، فإن أهل الأرض يدفعون الثمين من مال و جهد ليضربوا في الآفاق بحثا عن مربٍّ، و أنتم ما شاء الله اصطُفيتم لتلازموا من نحسبه من أولياء الله الصالحين. فاعقلوا النعمة بشكر المنعم سبحانه. أسأل الله تعالى أن يبارك في عمر شيخنا الجليل، و أن يزيده علما و توفيقا، و أن يزيدنا تعلّما و تأدبا.. آمين سيدي.. سل الشيخ أن يدعو لي بأن يرضى الله عني، وأن يرزقني الإخلاص في الأقوال والأفعال و الأحوال. أحبّكم في الله و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته،،، تلميذ الشيخ

تعليقا على مقال : يا سيدي يا رسول الله


القائمة البريدية


عفوا يبدو انك اتبعت رابط خاطئ

سيتم نقلك الان تلقائيا او يمكنك الضغط هنا
 
الربانية - الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ
محمد حسين يعقوب