بسم الله الرحمن الرحيم

هل أخذت الدرس؟ إضافة رمضان1427هـ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين،،،

وبعد إخوتاه..

فإن شهر رمضان أيام قلبية في الزمن، متى أشرفت على الدنيا فكأن الزمان يقول لأهله: هذه أيام من أنفسكم لا من أيامي، ومن طبيعتكم لا من طبيعتي، فيقبل العالم كله على حالة نفسية بالغة السمو، ويتعهد فيها النفس برياضتها على معالي الأمور ومكارم الأخلاق، ويفهم الحياة على وجه آخر غير وجهها الكالح، ويراها كأنما أجيعت من طعامها اليوم كما جاع هو، فيزهد فيها، وكأنما أفرغت من خسائسها وشهواتها كما أفرغ هو، فتسمو أخلاقه، وكأنما ألزمت معاني التقوى كما ألزمها هو، وما أجمل وأبدع أن تظهر الحياة في العالم كله- ولو يوما واحداً- صائمة نهارها، قائمة ليلها.. فكيف بها على ذلك شهراً من كل سنة؟ ولذلك فإن الصيام تغيير كامل للحياة لا مجرد امتناع عن الطعام والشهوة مدة من الزمن، ولهذا لابد أن تكون للصائم مشاهد في هذه العبادة يجد آثارها في قلبه؛ فإن هذه العبادة تطلعه على رياض مؤنقة من أنواع العبودية المختلفة.. فشهر الصوم ممتلئ بالدروس:

فهل أخذت الدرس؟

من دروس الصيام في رمضان:

درس التوحيد

فنفى الله جل جلاله ألوهية عيسى وأمه عليهما السلام بأنهما كانا يأكلان الطعام، فالذي يأكل الطعام يحتاج إلى الإخراج، وفيه ما فيه..

، فهو الغني الذي لا يحتاج إلى شيء، ولا يحتاج إلى أحد، ويشهد العبد من نفسه ذله وفقره وفاقته وحاجته، فامتناعه عن الطعام والشراب سويعات قليلة يرخي جسمه، ويفتر عقله، ويثقل لسانه، ويمنع عقله عن التفكير إلا فيما هو محتاج إليه من الأكل والشرب. ، وشعور العبد بهذه العظمة يملؤه غنى، ويمنح القلب قوة في السير إليه سبحانه، وهذا الشعور بالغنى يستغني به العبد عن رؤية المخلوقين والتوكل عليهم، ويطهر قلبه من آفات لا تعد ولا تحصى.

فدرس التوحيد من أهم دروس الصوم في رمضان وأكثرها نفعاً وأكثرها صلة بالفعل، فافهم واتكئ ولا تتكل.

وهل وصلك الدرس؟

درس الصبر والشكر

أيها الصائم

الدين نصفان: نصفٌ شكر، ونصفٌ صبر.

تكلم العلماء في مسألة أيهما أفضل: الشكر أم الصبر؟ وخلاصة الكلام- والله أعلم- أن كل حال للعبد كان لواقعه أوفق فهو له أفضل إذا كان لله أرضى.

والإنسان لا ينفك عن الشكر والصبر، فإنه يعيش حياته ما بين نعم مترادفة تحتاج إلى شكر، وبين فتن متكاتفة تحتاج إلى صبر..

والصبر أنواع: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على البلاء. والشكر أنواع: شكر نعم راسخة، وشكر نعم متجددة، وشكر نعم حادثة، وشكر صرف بلاء، وشكر دفعه.. وغيرها. . وعظمة رمضان أنه في كل يوم منه يأتي العبد بكل هذه الأنواع من العبودية:

فإن الإنسان يصوم النهار، فيحتاج إلى الصبر: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية في نفس الوقت..

وهو أيضاً صائم ويرى الطعام والشراب يلمعان بين عينيه ولا يقدر عليهما، فيتذكر ألم المحرومين الذين يرون ما يشتهون ولا يقدرون عليه لفقر أو مرض أو غير ذلك فينشغل بالشكر.

ويظل يومه هكذا بين الصبر والشكر، فإذا أفطر في الليل وتناول حاجته من الطعام والشراب وأرضى شهوته؛ احتاج إلى شكر أعمق وعمل أكثر، فعاد مرة أخرى إلى الصبر على الطاعة ليقوم الليل، والصبر عن المعصية ليمتنع عما يدعوه إليه قطاع الطريق إلى الله في وسائل الإعلام وغيرها من المسلسلات و"الفوازير" والأفلام وكل المعاصي الظاهرة والباطنة.

وهل تعلمت الدرس؟

درس القبض والبسط

هل الحياة مملة؟!..

إن الذين لا يفهمون الحياة لا يعرفون كيف يعيشون هذه الحياة، فإذا لم يعيشوها كما ينبغي شكوا الملل!!

ولا أدري: هل هو عقوبة؟!

إن الذين لا يفهمون مراد الله منهم، فيعيشون الحياة على وتيرة واحدة، فلا يشعرون بالتجديد والتجدد في معاني الحياة وملذوذاتها، يشكون السأم والضجر والملل..

أما العبد الرباني..

الذي يعيش على مراد الله منه لا على مراده من الله، فإن حياته متجددة، فهو في كل لحظة بعبادة، وله في كل ساعة نية، وفي كل ساعة درس، وهذا المشهد يتضح أكثر ما يكون في رمضان؛ فإن الصائم يعيش ما بين المنع في النهار فيشهد مشهد القبض، ثم يفطر وتنفتح له أبواب خيرات الله فيشهد مشهد البسط، وهكذا ما بين نوم ويقظة، وإفطار وإمساك، ونشاط وراحة، يعيش المسلم في رمضان بلا سأم ولا ملل، فإنه كل ساعة في انتظار تغيير يحدثه تجدد عبادة من العبادات.

وفي صوم رمضان دروس أخر كثيرة: كدرس الزهد في الدنيا، ودرس الإيثار، ودرس الجود والإحسان وغيرها، والموفق من أبصر هذه الدروس وفهمها وعمل بمقتضاها..

فاللهم تقبل منا صيامنا، وانفعنا ببركات دروسه ومشاهده، فأنت حسبنا ونعم الوكيل

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين

www.yaqob.com - موقع الربانية
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ محمد حسين يعقوب