السؤال: هل الحلي من الذهب المعد للبس عليه الزكاة؟ وما مقدارها؟

المفتي: الشيخ محمد صالح بن العثيمين

الجواب: الحلي المعد للبس فيه زكاة والدليل من القرآن والسنة، فمن القرآن قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ } [التوبة: 34، 35] . والمراد بكنز الذهب والفضة كما قال العلماء: أن لا يخرج ما يجب فيهما، حتى ولو كان على قمم الجبال، وعدم الكنز أن يخرج ما يجب فيهما وإن كان في باطن الأرض، وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، وأحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار". والمرأة التي لها حلي هي صاحبة ذلك بلا شك، بل في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب فقال لها: "أتؤدين زكاة هذا". قالت: لا. قال: "أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار؟" فخلعتهما وألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: هم والله لله ورسوله. وهذ نص صريح في وجوب الزكاة في الحلي ، وهذا الحديث يقول الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: ( إن إسناده قوي، وله شاهد من حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما ) وإذا كان سنده قوياً وله شواهد تعضده، وعمومات أخرى في الصحيحين بل في القرآن تعضده، لم يبق إشكال في وجوب زكاة الحلي. فإن قلت : إن بعض العلماء يقول: إنه لا زكاة في الحلي! قلتُ لك: وبعض العلماء يقول: إن في الحلي زكاة، وإذا اختلف العلماء فالمرد إل الله ورسوله، والرب عز وجل يقول: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ } [القصص: 65] ، ولم يقل: ( فيقول ماذا أجبتم فلاناً وفلاناً)، والإنسان إذا تبين له الحق وجب عليه قبوله والعمل به وإن خالف من خالف من الناس. قد يقول قائل: مذهب الإمام أحمد أن الزكاة في الحلي لا تجب إلا إذا أعد للأجرة، أو للنفقة، أو كان محرماً ! فنقول: ومذهب أبي حنيفة أن الزكاة واجبة في الحلي بكل حال، ونحن غير ملزمين باتباع الإمام أحمد ولا باتباع أبي حنيفة، وإنما نحن ملزمون باتباع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا دل الكتاب والسنة على أن مذهب أبي حنيفة أصح من مذهب الإمام أحمد في هذا وجب علينا أن نأخذ بمذهب أبي حنيفة، ثم نقول : إن عن الإمام أحمد رحمه الله رواية أخرى في وجوب زكاة الحلي توافق مذهب أبي حنيفة، وحينئذ لا يكون هذا متمحضاً مذهباً للإمام أحمد، بل هو نصف مذهب، لأن في ذلك روايتين عنه. فإذا قال السائل: أليس الحلي ملبوساً تستعمله المرأة، كما تستعمل الثوب الملبوس؟ فالجواب: نعم هو كذلك لكن أصل الذهب والفضة تجب فيها الزكاة، وأصل الثياب لا تجب فيها الزكاة سواء مصنوعة من القطن، أو البلاستيك، أو من أي شيء آخر. ثم نقول: قياسكم هذا متناقض! بل هو قياس فاسد في الواقع؛ وكونه فاسداً لأنه مخالف للنص، والقياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار كما نص على ذلك أهل الأصول، وكذلك فهو قياس متناقض، كيف ذلك؟.. نقول لهم: ما تقولون فيما لو أعدت المرأة ثياباً للأجرة؟ هل فيها زكاة أم لا؟سيقولون: ليس فيها زكاة.. وإذا أعدت المرأة حلياً للأجرة هل فيها زكاة أم لا؟ سيقولون: فيه الزكاة! إذن أين القياس؟ لو كان القياس صحيحاً لقلنا إذا وجبت الزكاة في الحلي المعد للأجرة فلتجب في الثياب المعدة للأجرة، وإذا لم تجب في الثياب المعدة للأجرة فلتكن غير واجبة في الحلي المعد للأجرة. فإن قلتم: تجب في الحلي المعد للأجرة، ولا تجب في الثياب المعدة للأجرة، وقعتم في التناقض، والتناقض دليل البطلان. ثانياً: نقول لهم: ماذا تقولون في امرأة عندها ثياب أعدتها للبس، ثم بعد ذلك أعدتها للتجارة؟ هل تنقلب للتجارة؟ سيقولون: لا. ماذا تقولون في امرأة عندها حلي أعدته للتجارة؟ هل يكون للتجارة؟ سيقولون: نعم، إذن هذا تناقض آخر !! ثم نقول لهم: ما تقولون في امرأة عندها ثياب محرمة تستعملها، مثل ثياب فيها صور تلبسها، وعندها حلي محرم تستعمله، كالحلي الذي على صورة الثعبان مثلاً، هل في الحلي الذي على صورة الثعبان زكاة؟ سيقولون نعم، وهل في الثياب المحرمة التي فيها الصورة زكاة؟ سيقولون: لا. إذن هذا تناقض، فأين القياس بين شيئين متناقضين في الأحكام؟ ثم نقول لهم أيضاً: ما تقولون في امرأة عندها مائة ثوب، كل ثوب يساوي مائة ريال، فإذا قيل لها لماذا يوجد عندك المائة ثوب، وكل ثوب يساوي مائة ريال؟ قالت: أريد أن تكون هذه الثياب للنفقة، كلما احتجت بعت ثوباً، وأنفقت، هل في هذه الثياب زكاة أم لا؟ سيقولون: ليس فيها زكاة. وماذا تقولون في المرأة عندها الحلي مائة قطعة، كل قطعة بمائة ريال، وإذا قيل لها لماذا هكذا؟ قالت: أعددتها للنفقة، كلما احتجت دراهم بعت قطعة من الذهب، وأنفقتها، نقول لهم: هل في هذه الحلي زكاة أم لا؟ سيقولون: نعم. والثياب ليس فيها زكاة فهذا تناقض. ثم نقول: المرأة التي أعدت الحلي للبس هل اللبس كمالي أو ضروري؟ الزائد على ما يبسه مثلها كمالي، والنفقة ضرورية، فكيف تقولون: الحلي إذا كان يلبس على سبيل التجمل والزينة ليس فيها زكاة، وإذا كان معداً للنفقة ففيه زكاة؟ أليس الأولى أن يكون المعد للبس هو الذي فيه الزكاة؟ والمعد للنفقة هو الذي ليس فيها الزكاة لأنه ضروري؟! وهم لا يقولون ذلك. وبهذا يتبين: أن القول بعدم وجوب الزكاة في الحلي قول متناقض، مع أن النصوص ترده، والواجب على الإنسان أن يقول فيما يبلغه من كتاب الله وسنة رسوله {سمعنا وأطعنا}، وألا يبخل فيما آتاه الله تعالى من فضله بحجة أن فلاناً يقول بعدم وجوب الزكاة مثلاً. يقول بعض الناس: عندنا حديث يهدم كل ما قلت!! فأقول: إذا جئت بحديث صحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم تقول أنت بموجبه أو لا تقول بموجبه، فعلى الرأس والعين، فأنا مستسلم بما دل عليه الكتاب والسنة، قال: يُروَى عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس في الحلي زكاة" ، فنقول: أولاً: هذا الحديث لا يصح، وإذا لم يصح هل يمكن أن يعارض الأحاديث الصحيحة؟ الجواب: لا. ثانياً: على تقدير صحته، هل أنت تقول بعمومه؟ أي أن جميع الحلي ليس فيها زكاة؟ إن قال: نعم. قلنا: هذا غير صحيح، وإن قال: لا. قلنا: له لم تأخذ بدلالة الحديث، لأنه يقول الحلي إذا أعد للكراء أو النفقة، أو كان محرماً ففيه الزكاة، فلم يأخذ بدلالة الحديث، والحديث عام: "ليس في الحلي زكاة"، وإن كنت لا تقول بموجبه، فكيف تجعله حجة لك فيما تذهب إليه، ولا تجعله لك حجة في الأمر الآخر المخالف لك؟ ثم نقول: لو صح هذا الحديث، فإنه يمكن أن يجمع بينه وبين الأحاديث الموجبة للزكاة بأن يقال: ليس في الحلي الذي يبلغ النصاب زكاة، وهذا صحيح، فالحلي الذي لا يبلغ النصاب ليس فيه زكاة. والنصاب خمسة وثمانون غراماً فما دون ذلك ليس فيه زكاة، وما بلغ خمسة وثمانين غراماً ففيه الزكاة، ولكن كيف نزكيه؟ نقدر قيمته ونأخذ ربع عشر القيمة، وكيفية ذلك أن نقسم القيمة على أربعين، فما خرج بالقسمة فهو الزكاة، أربعمائة ألف ريال ففيه عشرة آلاف ريال، وعلى هذا فقس.. وهنا مسألة أحب أن أنبه عليها، وهي خاصة بتجار الذهب الذين يذهب الناس بحليهم إليهم ليقدروا زكاتها، فبعض التجار يقدرون قيمة الذهب، ثم يقولون الزكاة فيها كذا وكذا، ولا ينظرون إلى زنة الذهب، لأنه يجب أولاً أن تزن الذهب، وتنظر هل يبلغ النصاب أولاً؟ فإذا كان لا يبلغ النصاب فليس عليه زكاة، فهم يعتبرون القيمة - على حسب ما بلغني من بعض الناس - فيقولون قيمته كذا وزكاته كذا. ولنضرب لذلك مثالاً: امرأة عندها حلي يبلغ ثمانين غراماً، ولكون الذهب غالياً فإن قيمته تبلغ أربعين ألفاً مثلاً، ففي هذه الحالة فإنه ليس فيه الزكاة، لأنه لا يبلغ النصاب. يقول لي بعض الناس: إن التجار إذا كان يبلغ أربعين ألفاً ولو كان دون النصاب قالوا فيه الزكاة! فأرجو أن تنبهوا الصاغة أو التجار لهذه المسألة. فلو قال قائل: امرأة عندها نصف نصاب من الذهب، وعندها دراهم تبلغ نصف نصاب، فهل يضاف بعضه إلى بعض ليكمل النصاب؟ الصحيح أنه لا يكمل نصاب الذهب من الفضة ولا نصاب الفضة من الذهب؛ لاختلاف الجنسين، والنصوص وردت مقدرة نصاب كل واحد على حدة، وكما أننا لا نضم البر إلى الشعير في تكميل النصاب، فكذلك لا نضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب، فإذا كان عند المرأة حلي يبلغ نصف النصاب وعندها دراهم تبلغ نصف النصاب، فليس عليها زكاة لا في الدراهم، ولا في الحلي، لعدم استكمال النصاب فيهما.

www.yaqob.com - موقع الربانية
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ محمد حسين يعقوب