إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون }
{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الامر محدثاتها ، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد؛ فقد بدا لي أن أجعل كلمتي في هذه الليلة بدل الدرس النظامي حول موضوع احتفال كثير من المسلمين بالمولد النبوي، وليس ذلك مني إلا قياما بواجب التذكير وتقديم النصح لعامة المسلمين فإنه واجب من الواجبات كما هو معلوم عند الجميع.
جرى عرف المسلمين من بعد القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية على الاحتفال بولادة النبي صلى الله عليه وسلم، وبدأ الاحتفال بطريقة وانتهى اليوم إلى طريقة، وليس يهمني في هذه الكلمة الناحية التاريخية من المولد وما جرى عليه من تطورات، إنما المهم من كلمتي هذه أن نعرف موقفنا الشرعي من هذه الاحتفالات قديمها وحديثها.
فنحن معشر أهل السنة لا نحتفل احتفال الناس هؤلاء بولادة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكننا نحتفل احتفالاً من نوع آخر، ومن البدهي أنني لا أريد الدندنة حول احتفالنا نحن معشر أهل السنة وإنما ستكون كلمتي هذه حول احتفال الآخرين لأبين أن هذا الاحتفال وإن كان يأخذ بقلوب جماهير المسلمين لأنهم يستسلمون لعواطفهم التي لا تعرف قيداً شرعياً مطلقا وإنما هي عواطف جانحة، فنحن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالدين كاملا وافيا تاما، والدين هو كل شيء يتدين به المسلم ويتقرب به إلى الله عز وجل ليس ثمة دين إلا هذا، الدين هو كل ما يتدين به ويتقرب به المسلم إلى الله عز وجل ولا يمكن أن يكون شيء ما من الدين في شئ ما إلا إذا جاء به نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
أما ما أحدثه الناس بعد وفاته صلى الله عليه وسلم سيما بعد القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية فهي لاشك ولا ريب من محدثات الأمور، وقد علمتم جميعا حكم هذه المحدثات من افتتاحية دروسنا كلها حيث نقول فيها كما سمعتم آنفا "خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"
ونحن وإياهم مجمعون على أن هذا الاحتفال أمر حادث لم يكن ليس فقط في عهده صلى الله عليه وسلم بل ولا في عهد القرون الثلاثة كما ذكرنا آنفا، ومن البدهي أن النبي صلى الله عليه وسلم في حياته لم يكن ليحتفل بولادته ذلك لأن الاحتفال بولادة إنسان ما إنما هي طريقة نصرانية مسيحية لا يعرفه الإسلام مطلقا في القرون المذكورة آنفا فمن باب أولى ألا يعرف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن عيسى الذي يحتفل بميلاده المدعون اتباعه هو نفسه لم يحتفل بولادته مع أنها ولادة خارقة للعادة، وإنما الاحتفال بولادة عيسى عليه السلام هو من البدع التي ابتدعها النصارى في دينهم وهي كما قال عز وجل: { ابتدعوها ما كتبناها عليهم}. هذه البدع التي اتخذها النصارى ومنها الاحتفال بميلاد عيسى ما شرعها الله عز وجل، وإنما هم ابتدعوها من عند أنفسهم.
فلذلك؛ إذا كان عيسى لم يحتفل بميلاده ومحمد صلى الله عليه وسلم أيضا كذلك لم يحتفل بميلاده والله عز وجل يقول: {وبهداهم اقتده} وهذا من جملة الاقتداء بنبينا عيسى عليه الصلاة والسلام، فهو نبينا أيضا، ولكن نبوته نسخت ورفعت بنبوة خاتم الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهما، ولذلك فعيسى حينما ينزل في آخر الزمان كما جاء في الأحاديث الصحيحة المتواترة إنما يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
فإذاً؛ محمد صلى الله عليه وسلم لم يحتفل بميلاده وهنا يقول بعض المبتلين بالاحتفال غير المشروع الذي نحن في صدد الكلام عليه: "محمد صلى الله عليه وسلم ما راح يحتفل بولادته" طيب سنقول: " لِمَ يحتفل بولادته عليه السلام بعد وفاته"
أحب الخلق من الرجال إليه وأحب الخلق من النساء إليه، أي أبو بكر وابنته عائشة رضي الله عنهما ما احتفلا بولادة الرسول صلى الله عليه وسلم، كذلك الصحابة جميعا، كذلك التابعون، كذلك أتباعهم وهكذا إذا لا يصح لإنسان يخشى الله ويقف عند حدود الله ويتعظ بقول الله عز وجل: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} فلا يقولن أحد الناس الرسول ما احتفل لأن هذا يتعلق بشخصه لأنه يأتي بالجواب لا أحد من أصحابه جميعا أحتفل به عليه السلام فمن الذي أحدث هذا الاحتفال من بعد هؤلاء الرجال الذين هم أفضل الرجال ولا أفضل منهم بعدهم أبدا ولن تلد النساء أمثالهم إطلاقا من هؤلاء الذين يستطيعون بعد مضي هذه السنين الطويلة ثلاثمائة سنة يمضون لا يحتفلون هذا الاحتفال أو ذاك وإنما احتفالهم من النوع الذي سأشير إليه إشارة سريعة كما فعلت آنفا، فهذا يكفي المسلم كي يعرف أن القضية ليست قضية عاطفة جانحة لا تعرف الحدود المشروعة وإنما هو الاتباع والاستسلام لحكم الله عز وجل ومن ذلك: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } فرسول الله ما احتفل إذا نحن لا نحتفل.
إن قالوا: "ما احتفل لشخصه" نقول: "ما احتفل أصحابه أيضا بشخصه من بعده" فأين تذهبون؟ كل الطرق مسدودة أمام الحجة البينة الواضحة التي لا تفسح مجالاً مطلقا للقول بحسن هذه البدعة.
وإن مما يبشر بالخير أن بعض الخطباء والوعاظ بدأوا يضطرون ليعترفوا بهذه الحقيقة وهي أن الاحتفال بالمولد بدعة وليس من السنة ولكن يحتاجون إلى شيء من الشجاعة العلمية التي تتطلب الوقوف أمام عواطف الناس الذين عاشوا هذه القرون الطويلة وهم يحتفلون، فهؤلاء كأنهم يجبنون أو يضعفون أن يصدعوا بالحق الذي اقتنعوا به، فيقول صحيح أن هذا الاحتفال ليس من السنة ما احتفل الرسول ولا الصحابة ولا السلف الصالح ولكن الناس اعتادوا أن يحتفلوا ويبدو أن الخلاف فقري، هكذا يبرر القضية ويقول الخلاف شكلي لكن الحقيقة أنهم انتبهوا أخيرا إلى أن هذا المولد خرج عن موضوع الاحتفال بولادة الرسول صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحيان حيث يتطرف الخطباء أمورا ليس لها علاقة بالاحتفال بولادة الرسول صلى الله عليه وسلم.
أريد ألا أطيل في هذا، ولكني أذكر بأمر هام جدا طالما غفل عنه جماهير المسلمين حتى بعض إخواننا الذين يمشون معنا على الصراط المستقيم وعلى الابتعاد من التعبد إلى الله عز وجل بأي بدعة، قد يخفى عليهم أن أي بدعة يتعبد المسلم بها ربه عز وجل هي ليست من صغائر الأمور ومن هنا نعتقد أن تقسيم البدعة إلى محرمة وإلى مكروهة يعني كراهة تنزيهية هذا التقسيم لا أصل له في الشريعة الإسلامية كيف وهو مصادم مصادمة جلية للحديث الذي تسمعونه دائما وأبدأ (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)
ليس هناك بدعة لا يستحق صاحبها النار، ولو صح ذلك التقسيم لكان الجواب ليس كل بدعة يستحق صاحبها دخول النار لم؟ لأن ذاك التقسيم يجعل بدعة محرمة هي التي تؤهل صاحبها النار وبدعة مكروهة تنزيها لا تؤهل صاحبها للنار، وإنما الأولى تركها والإعراض عنها والسر وهنا الشاهد من إشارتي السابقة التي لا ينتبه لها الكثير، والسر في أن كل بدعة كما قال عليه الصلاة والسلام بحق ضلالة هو أنه من باب التشريع في الشرع الذي ليس له حق التشريع إلا رب العالمين تبارك وتعالى فإذا انتبهتم لهذه النقطة عرفتم حينذاك لماذا أطلق عليه الصلاة والسلام على كل بدعة أنها في النار، لأن المبتدع حينما يشرع شيئا من نفسه فكأنه جعل نفسه شريكا مع ربه تبارك وتعالى والله عز وجل يأمرنا أن نوحده في عبادته وفي تشريعه فيقول مثلاً في كتابه: { ولا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) أندادا في كل شيء ومن ذلك التشريع .
ومن هنا؛ يظهر معشر الشباب المسلم الواعي المثقف الذي انفتح له الطريق إلى التعرف على الإسلام الصحيح من المفتاح لا إله إلا الله وهذا التوحيد الذي يستلزم كما بين ذلك بعض العلماء قديما وشرحوا ذلك شرحا بينا ثم تبعهم بعض الكتاب المعاصرين أن هذا التوحيد يستلزم إفراد الله عز وجل بالتشريع، يستلزم ألا يشرع أحد مع الله عز وجل أمرا ما سواء كان صغيرا أم كبيرا جليلا أم حقيراً، لأن القضية ليست بالنظر إلى الحكم أهو صغير أم كبير، وإنما إلى الدافع إلى هذا التشريع، فإن كان هذا التشريع صدر من الله تقربنا به إلى الله، وإن كان صدر من غير الله عز وجل نبذناه.. ولم يجز للمسلم أن يتقرب إلى الله عز وجل بشيء من ذلك، وأولى وأولى ألا يجوز للذي شرع ذلك أن يشرعه وألا يستمر على ذلك وألا يستحسنه، هذا النوع من إفراد الله عز وجل بالتشريع هو الذي اصطلح عليه اليوم بعض الكتاب الإسلاميين بتسمية بأن الحاكمية لله عز وجل وحده، لكن مع الأسف الشديد أخذ شبابنا هذه الكلمة بكيفية ليست مبينة مفصلة تشتمل كل شرعة أو كل أمر أدخل في الإسلام وليس من الإسلام في شيء وأن هذا الذي أدخل قد شارك الله عز وجل في هذه الخصوصية ولم يوحد الله عز وجل في تشريعه، ذلك لأن السبب فيما أعتقد في عدم وضوح هذا المعنى الواسع لجملة أن الحاكمية لله عز وجل هو أن الذين كتبوا حول هذا الموضوع أقولها مع الأسف الشديد ما كتبوا ذلك إلا وهم قد نبهوا بالضغوط الكافرة التي ترد بهذه التشريعات وهذه القوانين من بلاد الكفر وبلاد الضلال، ولذلك فهم حينما دعوا المسلمين وحاضروا وكتبوا دائما وأبدا حول هذه الكلمة الحقة وهي أن الحاكمية لله عز وجل وحده كان كلامهم دائما ينصب ويدور حول رفض هذه القوانين الأجنبية التي ترد إلينا من بلاد الكفر كما قلنا، لأن ذلك إدخال في الشرع ما لم يشرعه الله عز وجل.
هذا كلام حق لاشك ولا ريب، ولكن قصدي أن ألفت نظركم أن هذه القاعدة الهامة وهي أن الحاكمية لله عز وجل لا تنحصر فقط في رفض هذه القوانين التي ترد إلينا من بلاد الكفر، بل تشمل كل شيء دخل في الإسلام سواء كان وافدا إلينا أو نابعا منا مادام أنه ليس من الإسلام في شيء، هذه النقطة بالذات هي التي يجب أن نتنبه لها وأن لا نتحمس فقط لجانب هو هذه القوانين الأجنبية فقط وكفرها واضح جدا. نحن نتنبه لهذا فقط، بينما دخل الكفر في المسلمين منذ قرون طويلة وعديدة جدا والناس في غفلة من هذه الحقيقة فضلاً عن هذه المسائل التي يعتبرونها طفيفة، لذلك فهذا الاحتفال يكفي أن تعرفوا أنه محدث ليس من الإسلام في شيء، ولكن يجب أن تتذكروا مع ذلك أن الإصرار على استحسان هذه البدعة مع إجمال جميل كما ذكرت آنفا أنها محدثة، فالإصرار على ذلك أخشى ما أخشاه أن يدخل المصر على ذلك في جملة: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}. وأنتم تعلمون أن هذه الآية لما نزلت وتلاها النبي صلى الله عليه وسلم كان في المجلس عدي بن حاتم الطائي وكان من العرب القليلين الذين قرأوا وكتبوا، وبالتالي تنصروا، فكان نصرانيا، فلما نزلت هذه الآية لم يتبين له المقصد منها فقال: "يا رسول الله؛ كيف؟" يعني ربنا يقول عنا نحن النصارى سابقا (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) ما اتخذنا أحبارنا أربابا من دون الله عز وجل؟ كأنه فهم أنهم اعتقدوا بأحبارهم ورهبانهم أنهم يخلقون مع الله ويرزقون مع الله وما إلى غير ذلك من الصفات التي تفرد الله بها عز وجل دون سائر الخلق، فبين له الرسول عليه السلام بأن هذا المعنى الذي خطر في باله ليس هو المقصود بهذه الآية، وإن كان هو معنى حق، يعني لا يجوز للمسلم أن يعتقد أن إنسانا ما يخلق ويرزق لكن المعنى هنا أدق من ذلك فقال له: "ألستم كنتم إذا حرموا لكم حلالاً حرمتموه؟ وإذا أحلوا لكم حراما حللتموه؟" قال: "أما هذا فقد كان" فقال عليه السلام: "فذاك اتخاذكم إياهم أربابا من دون الله" لذلك فالأمر خطير جدا استحسان بدعة، والمستحسن وهو يعلم أنه لم يكن من عمل السلف الصالح ولو كان خيرا لسبقونا إليه، قد حشر نفسه في زمرة الأحبار والرهبان الذين اتُّخِذوا أربابا من دون الله عز وجل. والذين أيضا يقلدونهم فهم الذين نزلت في صددهم هذه الآية أو في أمثالهم: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله }.
غرضي من هذا أنه لا يجوز للمسلم كما نسمع دائما وكما سمعنا قريبا أن يقول: "لا ضير؛ الخلاف شكلي" بل الخلاف جذري وعميق جدا، لأننا نحن ننظر إلى أن هذه البدعة وغيرها داخلة أولاً في عموم الحديث السابق "كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار". وثانيا ننظر إلى أن موضوع البدعة مربوط بالتشريع الذي لم يأذن به الله عز وجل كما قال تعالى: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الذين ما لم يأذن به الله } وهذا يقال كله إذا وقف الأمر فقط عند ما يسمى بالاحتفال بولادته عليه السلام بمعنى قراءة قصة المولد، أما إذا انضم إلى هذه القراءة أشياء وأشياء كثيرة جدا منها أنهم يقرأون من قصته عليه الصلاة والسلام قصة المولد أولا مالا يصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم وثانيا يذكرون من صفاته عليه السلام فيما يتعلق بولادته ما يشترك معه عامة البشر بينما لو كان يجب الاحتفال -أو يجوز على الأقل- بالرسول صلى الله عليه وسلم كان الواجب أن تذكر مناقبه عليه الصلاة والسلام وأخلاقه وجهاده في سبيل الله وقلبه لجزيرة العرب من الإشراك بالله عز وجل إلى التوحيد من الأخلاق الجاهلية الطالحة الفاسدة إلى الأخلاق الإسلامية كان هذا هو الواجب أن يفعله لكنهم جروا على نمط من قراءة الموارد لا سيما إلى عهد قريب عبارة عن أناشيد وعبارة عن كلمات مسجعة، ويقال في ذلك من جملة ما يقال مثلا مما بقى في ذاكرتي والعهد القديم "حملت به أمة تسعة أشهر قمرية" ما الفائدة من ذكر هذا الخبر؟ وكل إنسان منا تحمل به أمه تسعة أشهر قمرية، القصد هل أفضل البشر وسيد البشر عليه الصلاة والسلام يذكر منه هذه الخصلة التي يشترك فيها حتى الكافر؟ إذًا خرج القصد من المولد عن هدفه بمثل هذا الكلام الساقط الواهي، بعضهم مثلا يذكرون بأنه ولد مختونا، وهذا من الأحاديث الضعيفة والموضوعة. أهكذا يمدح الرسول عليه السلام؟
إن الاحتفال في أصله لو لم تكن فيه مخالفة سوى أنه محدث لكفى وجوبا الابتعاد عنه للأمرين السابقين (لأنه محدث، ولأنه تشريع) والله عز رجل لا يرضى من إنسان أن يشرع للخلق ما يشاء، فكيف وقد انضمت إلى المولد على مر السنين أشياء وأشياء مما ذكرنا، ومما يطول الحديث عنه فيما لو استعرضنا الكلام فيه؟
فحسب المسلم إذا التذكير هنا والنصيحة، وأن يعلم أن أي شيء لم يكن في عهد الرسول عليه السلام وفي عهد السلف الصالح، فمهما زخرفه الناس ومهما زينوه ومهما قالوا بأن هذا في حب الرسول -وأكثرهم كاذبون فلا يحبون الرسول إلا باللفظ وبالغناء والتطريب ونحو ذلك- فعلينا نحن أن نظل متمسكين بما عليه سلفنا الصالح رضي الله عنهم أجمعين.
وتذكروا معنا بأن من طبيعة الإنسان المغالاة في تقدير الشخص الذي يحبه لاسيما إذا كان هذا الشخص لا مثل له في الدنيا كلها ألا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن طبيعة الناس الغلو في تعظيم هذا الإنسان، إلا الناس الذين يأتمرون بأوامر الله عز وجل، ولا يعتدون، فهم يتذكرون دائما وأبدا قوله تبارك وتعالى: { وتلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه } فإذا كان الله عز وجل قد اتخذ محمدا صلى الله عليه وسلم نبيا فهو قبل ذلك جعله بشرا سويا لم يجعله ملكا خلق من نور مثلما يزعمون، وإنما هو بشر وهو نفسه تأكيداً للقرآن الكريم: { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي... الخ الآية} هو نفسه أكد ذلك في غير ما مناسبة فقال "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني " وقال لهم مرة "لا ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله فيها وإنما ضعوني حيث وضعني ربي عز وجل عبداً رسولاً" لذلك في الحديث الصحيح في البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله " هذا الحديث تفسير للحديث السابق "لا ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله بها" فهو يقول لا تمدحوني كما فعلت النصارى مع عيسى بن مريم. وكما لو أن قائلا يقول: "كيف يا رسول الله نمدحك؟ قال: "إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ".
ونحن حينما نقول في رسولنا صلى الله عليه وسلم "عبد الله ورسوله" فقد رفعناه ووضعناه في المرتبة التي وضعه الله عز وجل فيها، لن ننزل به عنها، ولن نصعد به فوقها. وهذا الذي يريده رسول الله صلى الله عليه وسلم منا، إذ نجد النبي صلوات الله وسلامه عليه يطبق هذه القواعد ويجعلها حياة يمشي معه عليها أصحابه صلوات الله وسلامه عليهم، فقد ذكرت لكم غير ما مرة قصة معاذ بن جبل رضي الله عنه حينما جاء إلى الشام وهي يومئذ من بلاد الروم النصارى الذين يعبدون القسيسين والرهبان، بقي في الشام ما بقي لتجارةٍ فيما يبدو، ولما عاد إلى المدينة وقع بصره على النبي صلى الله عليه وسلم، فهمّ ليسجد لسيد الناس. فقال له عليه الصلاة والسلام "مه يا معاذ" - شو هذا- قال: "يا رسول الله إني أتيت الشام فرأيت النصارى يسجدون لقسيسيهم وعظمائهم، فرأيتك أنت أحق بالسجود منهم" فقال عليه الصلاة والسلام: "لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها " وهذا الحديث جاء في مناسبات كثيرة لا أريد أن أستطرد فيها، وحسبنا هنا أن نلفت النظر إلى ما دفع معاذ بن جبل للسجود للنبي صلى الله عليه وسلم؛ هل هو بغضه للرسول عليه السلام؟ بطبيعة الحال لا، إنما هو العكس تماما، هو حبه للنبي صلى الله عليه وسلم الذي أنقذه من النار، هنا يقال الواسطة لا تنكر، فلولا الرسول عليه السلام الذي أرسله الله إلى الناس هداية لجميع العالم لكان الناس اليوم يعيشون في الجاهلية السابقة وأضعاف مضاعفة عليها، فلذلك ليس غريبا أبداً لاسيما والتشريع بعد لم يكن قد كمل وتم ليس غريبا أبدا أن يهم معاذ بن جبل بالسجود للنبي صلى الله عليه وسلم كإظهار لتبجيله واحترامه وتعظيمه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان قرر في عقولهم وطبعهم على ذلك يريد أن يثبت عمليا بأنه بشر وأن هذا السجود لا يصلح إلا لرب البشر، ويقول: "لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها"، في بعض روايات الحديث: "ولكن لا يصلح السجود إلا لله عز وجل".
إذا؛ نحن لو استسلمنا لعواطفنا لسجدنا لنبينا صلى الله عليه وسلم سواء كان حياً أو ميتا لماذا؟ تعظيما له لأن القصد تعظيمه، وليس القصد عبادته عليه السلام، ولكن إذا كنا صادقين في حبه عليه الصلاة والسلام فيجب أن نأتمر بأمره وأن ننتهي بنهيه وألا نضرب بالأمر والنهي عرض الحائط بزعم أننا نفعل ذلك حباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد قال ربنا عز وجل: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) فإذا اتباع الرسول عليه السلام هو الدليل الحق الصادق الذي لا دليل سواه على أن هذا المتبع للرسول عليه السلام هو المحب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا قال الشاعر قوله المشهور:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه *** هذا لعمرك في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته *** إن المحب لمن يحب مطـيع
هناك مثال دون هذا، ومع ذلك فرسول الله صلى الله عليه وسلم ربى أصحابه عليه، ذلك أن الناس في الجاهلية كانوا يعيشون على عادات جاهلية وعادات فارسية أعجمية؛ ومن ذلك أنه يقوم بعضهم لبعض كما نحن نفعل اليوم تماما لأننا لا نتبع الرسول عليه السلام، ولا نصدق أنفسنا بأعمالنا أننا نحبه عليه الصلاة والسلام، وإنما بأقوالنا فقط. أما الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان أصحابه معه كما لو كان فرداً منهم لا أحد يظهر له من ذلك التبجيل الوثني الفارسي الأعجمي شيئا إطلاقا، وهذا نفهمه صراحة من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم و كانوا لا يقومون لما يعلمون من كراهيته لذلك " انظروا هذا الصحابي الجليل الذي تفضل الله عليه فأولاه خدمة نبيه عشرة سنين أنس بن مالك كيف يجمع في هذا الحديث بين الحقيقة الواقعة بينه عليه السلام وبين أصحابه من حبهم إياه وبين هذا الذي ندندن حوله من كون الحب يجب أن يقيد بالاتباع وأن لا ينصاع وأن لا يخضع صاحبه من هوى (وحبك الشيء يعمي ويصم) فهو يقول حقا ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه حقيقة لا جدال فيها، لكنه يعطف على ذلك فيقول: وكانوا لا يقومون لما يعلمون من كراهيته لذلك. إذا لماذا كان أصحاب الرسول عليه السلام لا يقومون له؟ اتباعا له تحقيقا للآية السابقة (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ) فاتباع الرسول هو دليل حب الله حبا صحيحاً ما استسلموا لعواطفهم كما وقع من الخلف الطالح.
نحن نقرأ في بعض الرسائل التي ألفت حول هذا المولد الذي نحن في صدد بيان أنه مُحدث، جرت مناقشات كثيرة مع الأسف، والأمر كالصبح أبلج واضح جداً، فأناس ألفوا في بيان ما نحن في صدده من أن هذا ليس من عمل السلف الصالح وليس عبادة وليس طاعة وأناس تحمسوا واستسلموا لعواطفهم، وأخذوا يتكلمون كلاماً لا يقوله إلا إنسان ممكن أن يقال في مثله "إن الله عز وجل إذا أخذ ما وهب أسقط ما أوجب" لماذا؟ لأن في المولد حتى الطريقة القديمة ما أدري الآن لعلهم نسخوها أو عدلوها؛ كانوا يجلسون على الأرض، فكانوا إذا جاء القارئ لقصة ولادة الرسول عليه السلام، قاموا جميعاً قياماً، وكانوا يبطشون بالإنسان إذا لم يتحرك وظل جالساً، فجرت مناقشات حول هذا الموضوع، فألف بعضهم رسالة فقال: هذا الإنسان الأحمق قال لو استطعت أن أقوم لولادة الرسول عليه السلام على رأسي لفعلت"، هذا يدري ما يقول؟ الحق ما قال الشاعر:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة *** وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ترى إذا عملنا مقابلة بين هذا الإنسان الأحمق وبين صحابة الرسول الكرام، حسبنا واحد منهم ليس كل الصحابة حتى لا نظلمهم: ترى من الذي يحترم ويوقر الرسول عليه السلام أكثر؟ أذاك الصحابي الذي إذا دخل الرسول عليه السلام لا يقوم له؟ أم هذا الخلف الأحمق الذي يقول: "لو تمكنت لقمت على رأسي"؟ هذا كلام إنسان لا يدري ما يخرج من فمه وإلا إذا كان يتذكر سيرة الرسول عليه السلام وأخلاقه وتواضعه وأمره للناس بألا يرفعوه إلى آخر ما ذكرنا آنفاً لما تجرأ أن يقول هذه الكلمة، لاسيما وهو يقول ذلك بعد وفاته عليه السلام، حيث الشيطان يتخذ طريقا واسعا جدا لإضلال الناس بعد وفاته أكثر منه في حياته عليه السلام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي يرى فينصح ويذكر ولمعلم وهو سيد المعلمين، فلا يستطيع الشيطان أن يتقرب إلى أحد بمثل هذا التعظيم الذي هو من باب الشرك. أما بعد وفاته عليه السلام فهنا ممكن أن الشيطان يتوغل إلى قلوب الناس ويخرجهم عن الطريق الذي تركهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ما يقوم له أحد وهو أحق الناس بالقيام لو كان سائغاً، فنحن نعلم من هذا الحديث أن الصحابة كانوا يحبون الرسول عليه السلام حبا حقيقياً، وأنهم لو تركوا لأنفسهم لقاموا له دائما وأبداً، ولكنهم هم المجاهدون حقاً؛ تركوا أهواءهم اتباعاً للرسول عليه السلام ورجاء مغفرة الله عز وجل، فالإسلام هو الاستسلام، وهذه الحقيقة هي التي يجب دائما أن نستحضرها وأن نبتعد دائماً وأبداً عن العواطف التي تفرق الناس كثيراً وكثيراً جداً فتخرجهم عن سواء السبيل.
لم يبق الآن من تعظيم الرسول عليه السلام في المجتمعات الإسلامية إلا قضايا شكلية، أما التعظيم من حق كما ذكرنا وهو اتباعه فهذا أصبح محصوراً و محدوداً في أشخاص قليلين جداً، وإلا ماذا يقول الإنسان في احتفالات اليوم من رفع الصوت والتطريب والغناء. لو رفع هذا المغني صوته واضطرب وحرك رأسه أمام الرسول صلى الله عليه وسلم لكان ذلك إهانة للرسول عليه السلام، وليس تعظيما له وليس حبا له لأنه حينما ترونه يرفع صوته ويمد ويطلع وينزل في أساليب موسيقية ما أعرفها، وهو يقول بأنه يفعل ذلك حبا في رسول الله فهو كذاب. ليس هذا هو الحب، الحب في اتباعه.
ولذلك الآن تجد الناس فريقين: فريق يقنعون لاثبات أنهم محبون للرسول عليه السلام بالنص، فيعملون في أنفسهم في أزواجهم في ذرياتهم.. وفريق آخرون يدعون هذا المجال فارغا في بيوتهم في أزواجهم في بناتهم في أولادهم لا يعلمونهم السنة، ولا يربونهم عليها. كيف وفاقد الشيء لا يعطيه؟ وإنما لم يبق عندهم إلا المظاهر من قبيل الاحتفال بولادة الرسول عليه السلام، بل صار عندنا أعياد واحتفالات كثيرة كما جاء الاحتفال بسيد البشر تقليداً للنصارى، كذلك جرينا نحن حتى في احتفالنا بمواليد أولادنا أيضاً على طريقة النصارى، وإن تعجب فعجب من بعض هؤلاء المنحرفين عن الجادة يقولون: "النصارى يحتفلون بعيساهم.. بنبيهم، نحن ما نحتفل بميلاد نبينا عليه الصلاة والسلام؟" وهذا يذكّرنا بمن كانوا في طريق في سفر فمروا بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا كلمة بريئة جداً ولكنها في مشابهة لفظية قالوا: "يا رسول الله؛ اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط" فقال عليه السلام: "لقد قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة" قد يستغرب الإنسان كيف يقتبس الرسول عليه السلام من هذه الآية حجة على هؤلاء الذين ما قالوا: "اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة"، وإنما قالوا اجعل لنا شجرة نعلق عليها أسلحتنا كما لهم شجرة، فأجابهم بذلك التشبيه، يعني: بدأتهم تسلكون سنن من قبلكم- فكيف بمن يقول اليوم صراحة: "النصارى يحتفلون بعيساهم لماذا نحن لا نحتفل بنبينا عليه السلام؟" الله أكبر هذه هي السنن و،صدق الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا يا رسول الله: "اليهود والنصارى؟" قال: "فمن؟"
أخيرا أقول؛ إن الشيطان قاعد للإنسان بالمرصاد، فهو دائماً وأبداً يجتهد لصرف المسلمين عن دينهم..
