مزيد من المواد والمقالات

نبضات المحبين

تعليقا على مادة :


القائمة البريدية

يا سيدي يا رسول الله

 السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ

إن الحمدَ لله، أحمدُه تعالى, وأستعينه وأستغفره, وأعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله.

اللهم صلِ على محمد وعلى آلِ محمد, كما صليت على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم إنك حميدٌ مجيد.

اللهم بارك على محمدٍ وعلى آلِ محمد, كما باركت على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم إنك حميدٌ مجيد.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }
آل عمران- آية:102
.

{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } النساء- آية:1.

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } الأحزاب - آية: (70،71).

أما بعد،

فإن أصدقَ الحديث كلامُ الله تعالى, وإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة, وكل بدعةٍ ضلالة, وكل ضلالةٍ في النار. ثم أما بعد,

فإخوتي في الله ..

والذي فلق الحبة و برأ النسمة؛ إني أحبكم في الله

وأسال الله جل جلاله أن يجمعنا بهذا الحب في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله

اللهم اجعل عملنا كله صالحا, واجعله لوجهك خالصا, ولا تجعل فيه لأحد غيرك شيئا.

أحبتي في الله ..

كيف حالكم مع الله؟

اشتقت إليكم..

 و يعلم الله أنني حين وقفت أمام الكعبة آخر مرة قلت:

يا رب؛ و أنت الحي القيوم، أسألك لكل إخواني و أخواتي.. لكل المسلمين و المسلمات الذين أحببتهم في الله، و أحبوني في الله.. ألا تحرمنا النظر إلى وجهك الكريم يوم نلقاك، و أن ترزقنا في الجنة أن نلتقي عند البيت المعمور).

 و حين انتقلت إلى المدينة، وقفت عند قبر رسول الله صلى الله عليه و سلم، و هناك أحسست بالخزي.. بالعار.

ماذا أقول؟

و اللهِ، و هو شهيد بيني و بينكم..يعلم كل شيء سبحانه..

حين دخلت الروضة و وقفت في أقرب مكان إلى القبر،أحسست ببرودة داخلي.

أتعرف؟

 هناك تحس أن بداخلك تيار هواء بارد!! و قلت: سبحان الله، سبحان الله يا حبيب الله، حتى هاته الوقفة تزيد الإيمان !!

و اسمحوا لي ابتداءً أن أحرر عقيدتي، و أجرد مذهبي، و أبين و أوضح و أجلو ما أنا عليه:

اللهم إني أشهدك و أشهد حملة عرشك و ملائكتك و جميع خلقك أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، لا شريك لك، و أن محمدا عبدك و رسولك.

اللهم إنك تعلم أني أعتقد أن دعاء غيرك شرك، و سؤال غيرك فيما لا يقدر عليه غيرك شرك، و رجاء غيرك كالرجاء فيك شرك، و الخوف من غيرك كالخوف منك شرك، و الاستعانة بغيرك فيما لا يقدر عليه غيرك شرك..

اللهم إني لا أدين لك إلا بما كان يدين به محمد
صلى الله عليه و سلم و أصحابه..

 ربنا إننا نعلم أنه لا يقدر أحد على جلب نفع أو دفع ضر إلا أنت..

اللهم إنا نعتقد أن نبينا محمدا -صلى الله عليه و سلم- لا يملك لنا و لا لنفسه موتا و لا حياة و لا نشورا، و لا ضرا و لا نفعا..

و لكني يا رب حين أقول : "سيدي يا رسول الله" فإنما هي بمثابة اعتذار من ابن لأبيه.. من تابع لمتبوعه.. من تلميذ لأستاذه.. من ابن عاق أساء لأبيه بعد أن بذل له الأب النصح، و سلك به كل سبيل إلى الخير، ثم هو خان و خذل.

اللهم إنك تسمع كلامنا، و ترى مكاننا، و لا يخفى عليك شيء، تعلم سرنا و علانيتنا. فاللهم بلغ رسالتنا هذه لرسولك.

يا رب؛ أنت تشهد سبحانك جل شأنك و عز جلالك أني حين أقول:

"سيدي يا رسول الله"، فإنما أريد أن تبلّغ عنا نبيك لعلنا نعذر..

 و أنا أدري أن عذرنا قبيح، و لكن أنت يا رب لا أحد أحب إليه العذر منك، فلنعذر عندك.

يا رب بلّغ عنّا نبيك أن اللسان ما أعقده عن الوفاء بحقه، و ما أعجز المداد أن يغيث القلم بشرفه.

سيدي يا رسول الله؛ يا صفتي، و يا عنواني، و يا أنوار حياتي..

الصلاة و السلام عليك يا سبب خيري الدنيا و الآخرة..

الصلاة و السلام عليك و على آلك..

يا من لا ترقى الأشواق إلا إذا حُزتها..

يا من لا تسمو المحبة إلا إذا نلتها..

سيدي يا رسول الله

لئن كنت يوما بثثت شوقك في البقيع، حين قلت:

"ليتنا نرى إخواننا".. "قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي و لم يروني"
رواه مسلم..

فإنا نبادلك شوقا بشوق و حبا بحب.

أي حبيبي يا رسول الله صلى الله عليك

إي و ربي إني لأحبك..

 عليك و على آلك أزكى الصلوات و أسمى التبريكات و التسليمات..

يا تاريخي و أصالتي..

يا دليلي و الدليل علي..

سيدي؛ يا رسول الله عذرا..

سيدي عذرا..

مولاي عذرا..

أيا قرة عيني عذرا..

لم يشتموك..

كلا.. أنا المشتوم!

كلا .. لم يسخروا منك.. بل الهزء بي!

لم ينالوا منك.. بل الجرح فيّ.. و الطعن فيّ.. و الأذى لي..

أما أنت.. فالله حماك و صرف عنك!

أنا المشتوم يا حبيبي..

أنا المكلوم يا سيدي..

أنا المجروح يا قدوتي..

أنا المهان يا منارتي!

سيدي..

بنفسي أنت!

فداك أبي و أمي و نفسي..

رسمت مستقبلي و أنا غائب.. لما استفقت بقرن الثعالب..

لو أذنت لملك الجبال؛ ما كنت جئت..

لو كنت انتقمت؛ أين إذا أنا كنت؟

واه لك سيدي؛

لقد أضأت بدماء أعقابك طريق الأمة و أحجار السفهاء تلاحقك..!

أيْ سيدي!

بنفسي أنت.. ما أصدقك و أكذبهم:

و الله.. إي و الله: ما تأبط كاهن كتابا يقدسه.. إلا و رسمك فيه لا يفرسه..!

إي سيدي و الله: ما صلوا و لا تكهنوا.. إلا بشروا بصدقك و تنبؤوا..!

ألم تر - سيدي - أن تحريفهم عجز عن حذف البشارة بك..؟!

خاب تأويلهم: أن يشوّش على صفتك..؟!

ففي سِفرهم و إصحاحهم وتوراتهم وعهدهم، كتبوا:

"رأيت السماء مفتوحة، وإذا فرس أبيض، و الجالس عليه يدعى أمينا و صادقا، و بالعدل يحكم و يحارب". [سفر الرؤيا 12:19]

هذا في كتابهم إلى اليوم: أنك الصادق الأمين.

 صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، و سلم و بارك على آلك وأصحابك-

أي حرج وُضعوا فيه؟

من في البشرية لقب بلقب الصادق الأمين غيرك يا منصور ؟

سيدي يا رسول الله؛ وا عجبا لصيانة الله لسمعك!

صان الله سمعك يا أذن الخير..

صان الله سمعك و عصمك..

 ألست الذي قلت: "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش و لعنهم؟ يشتمون مذمما، و يلعنون مذمما، و أنا محمد"رواه البخاري و غيره؟

أما اليوم، فيا مصيبة أسماعنا؛ سمعنا الشتم..!

يا مصيبة أبصارنا؛ رأينا الرسم..!

يا مصيبة عقولنا؛ أنبئنا بما يضرنا.. !

 آذاننا بليت بما نحن به أولى..

أما أنت؛ فأنت الأنزه عنه، صلى الله و سلم و بارك عليك يا سيدي يا رسول الله.

يا رب اعذرنا، يا رب أنت ترى مرارة الحصر و القيد.

أما أنت يا رسول الله؛ فمرارة الحصار عندك كالماء العذب..!

مضاجعة الجوع تُستألف، و يهون الصعب..!

للمحاصرين فيك أسوة.. إذ حوصرت في الشعب.

سيدي يا رسول الله، بريق الدنيا لا يفتك بأتباعك..! أطفأته أنوار ثباتك!

أي دنيا ستعرض عليك؟ أي دنيا هي؟

أي دنيا أكثر من أن توضع الشمس في يمينك و القمر في يسارك؟!

وأنت ثابت لا تترك ولا تفرط؟

سيدي يا رسول الله؛ أنا آسف!..

آسف على أمتي التي تركْت لها أشرف تركة،
فتخطفتها الملعونة التي حذرت منها
.

آسف على أمة تخطفتها الدنيا الملعونة، وحق فيها قولك:

"و الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا و زينتها"
متفق عليه.

ووقع ما خشيتَ، و كان ما حذرت سيدي..

 أهلكتنا كما أهلكتهم: ترسّبت العواطف، و انجرفت المشاعر، فصارت العيون سحاحة للأفلام و للمسلسلات و الأغاني تصدق الكذابين..

 لقد صارت الفرحة بالكرة و أصبح الحزن على الفن، ثم إذا تلك العيون تجف بليدةً و هي تسمع النيل من أشرف البشر جنابا.

آسف..

 آسف ممن جعلوك أسطورة يغنون لخديك و كحل عينيك، ثم يأكلون الحلوى و يبتلعون البلوى.

آسف!!

والله ما ذاق حلاوة حقا من خالف آثارك..

والله ما مدح جمالك صدقا من أخطأ مسارك.

سيدي يا رسول الله؛ لك سجدة تحت العرش تذكر فيها الأمة، و لك موقف في الموقف تطلب فيه الأمة: "دعوه، إنه من أمتي.." متفق عليه

أبتاه، ادخرت دعوتك ليوم القيام بين يدي الله!

فوا حزناه.. وا كنوداه.. إذ انعقدت ألسنتنا و اعتجمنا في سجودنا، و عجزنا أن نفتح أبواب السماء لنصرتك..

عجزنا أن نستفتح أبواب السماء ليصل دعاؤنا على من آذانا فيك.

آه؛ عذرا رسول الله.. عذرا سيدي!

عذرا .. لمجاملات اليوم تكون على حساب الذي بيني وبينك!

عذرا .. لمداهنة ضد هديك خوفا من غير الله!

عذرا لقبول هدية تخالف هديك!

عذرا..

و لأننا في زمن البخل بخلنا حتى بالصلاة عليك، إلا أن نذكّر بذلك..

 ألا تصلون على حبيبي و سيدي و قرة عيني: رسول الله؟

(اللهم صلّ على محمد النبي و أزواجه أمهات المؤمنين و ذريته و أهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)

عذرا رسول الله، بل غفرانك يا رب!

يا رب اغفر البرود..

حتى إن قلوبنا لم تتوقف، و لم يقتلها ما جرى..!

وإن أنفاسنا لم تتوقف فزعةً لسيد الورى!

وا حياءاه ..

وا حياءاه وهم يشتمون عمامة رأسي و تاجها!

وا ثكل أمياه!.. كيف تحملت أن أسمع ذلك، ولم أحلم بدم الوغد؟

(اللهم غفرا، اللهم غفرا، اللهم غفرا).

سيدي يا رسول الله! عذرا و معذرة لأمة تائهة..

عذرا لقلوب تحجرت..

أيا أنين الجذع..! هل سُجلْت حجة علينا؟

يا سلام الحجر..! هل ترسل لعنة علينا؟

يا شهادة الشجر..! هل نصرتِ رسول الله من دوننا؟

سح يا قلبي! سحي يا عيني! سح يا دمي! كما سحت عيناه لأجلي..

لما سحت عيناك - سيدي- نزل روح القدس بالبشرى:

" إننا سنرضيك في أمتك و لا نسوؤك"رواه مسلم.

أيا من بيده الأمر كله، يا الله..

متى تشفي صدور قوم مؤمنين، و تذهب غيظ قلوبهم؟

متى نصر الله؟

اللهم رد إلينا شرفنا..

اللهم خذ بنا ثأر حبيبنا..

اللهم ابذل على طريقه دماءنا..

اللهم اجعله حقا أحب إلينا منا..

اللهم اجعلنا صدقا أحرس عليه من أرواحنا..

اللهم صلّ وسلم عليه قدر حقه علينا..

اللهم صلّ و سلم و بارك عليه قدر ما يرضيك عنا..

اللهم بلغه عزاءنا..

اللهم أبلغه عذرنا..

اللهم شفّعه فينا.

عذرا سيدي يا رسول الله

 دعني - و  ربي شهيد بيني و بينك - أصف لك حالنا..

 حالنا أنت صَوّرته..

 أنت سجلته..

 أنت حذرته حين قلت:" إنما مثلي و مثلكم كمثل رجل استوقد نارا، فجعلت تلك الهوام يتساقطن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، و أنتم تغلبونني و تتقحمون فيها"متفق عليه.

هذا حالنا، و هذا حالك..

 أنت آخذ بحجزنا، و نحن بحماقتنا و بجهلنا نقتحم النار!!

سيدي يا رسول الله ؛ أليس عجيبا أنك كدت تهلك نفسك ليؤمن الناس، و نحن نهلك أنفسنا فيكفر الناس؟!

 "لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ"الشعراء-آية:3.

كادت تذهب نفسك حسرات فنهاك ربك:

"فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ"فاطر-آية:8.

أما نحن، فوا حسرتاه! علام نتحسر؟

 نتحسر على دنيا..

 نتحسر على ترف الآخرين أن لم ننله..

 نتحسر على تقنيتهم أن لم نحزها.

عار علينا يا قدوتنا أن نقيس حسرتك بحسرتنا، أو ألمك بألمنا،
أو فرحك بفرحنا.

لمّا تاب الله على كعب أشرق وجهك، و تهلل كالقمر كأنه ورقة مصحف

- فداك وجهي و روحي-

 أما نحن فتتهلل وجوهنا للنقود و للنساء..

 فيا لعارنا الجلل!!

سيدي يا رسول الله؛ بنفسي أنت

 لقد قال فيك ربك، و قوله الحق: "لَـقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ"التوبة-آية:128.

سيدي يا رسول الله؛ كم عانيت ليصل إلينا الدين؟

 كم أوذيت؟

 كم ضحّيت؟

 كم تحملت من الألم و العنت و المشقة؟

عانيت سخرية و استهزاء.. عانيت تهديدا و وعيدا..

عانيت ضربا وخنقا وجرحا..

كسرت رباعيتك، و شجت جبهتك، و جحشت ركبتاك،

ودخلت حلقات المغفر في وجنتك..

دارت عليك كل أصناف البلاء، و أنت ثابت راسخ كالجبل بل أشد.

ماذا أقول لنعذر؟

ما أقول عن حال أمتك اليوم إلا كما قال ربي:" فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ"المائدة-آية:52

و قد طمأن قلوبَنا ربُّنا فقال :" لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى"آل عمران-آية:111

و لكن؛ مَن اليوم يريد أن يتحمل الأذى؟

من يريد؟

سيدي يا رسول الله؛ يا خليل الله؛ يا حبيب الله؛

ما كل هذه الرحمة التي في قلبك؟

يوم كذبوك و تجرأ أكذبهم فقال :"إن كنت نبيا فنحن أقل من أن نكلم نبيا، و إن كنت كذابا فنحن أكبر من أن نكلم كذابا"..

لما قال الكذاب هذا، و رجعت سيدي بعد شهر، و لم يُسْلم لك أحد، ثم زادوا طينهم بلة و بلتهم طينا بأن أرسل السفهاء سفهاءهم ليرموك بالحجارة..

- و الله لكأن حجارتهم الآن تصفع وجهي.. أسمع رنتها في رأسي.. أتحمل جرحها في كبدي-

و حين وقعت و ناجيت: "يا رب المستضعفين أنت ربي"، و أتاك الملك

ما رضيتَ الانتقام.

خبّروني يا أيها الناس.. للعالم كله أقول: خبّروني يا أيها العالم، يا أيها التاريخ، يا أيتها الدنيا، يا هؤلاء القوم، خبّروني..

من أوذي مثله و عفا مثله ؟

من كُذب مثله فصبر مثله ؟

من كان في موقفه فكان موقفه موقفه؟

من مُكّن من رقابهم، فقال: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون؟

أوَ تأذن سيدي أن ندعو لسفهائنا؟

(اللهم اهدهم فإنهم لا يعلمون)

لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله..

أونطمع يا سيدي؟

و لكن من أين لنا بجهد كجهدك.. و بذل كبذلك، و صبر كصبرك..

و علم كعلمك.. و جهاد كجهادك؟ من أين ؟

لكن يا رب الطمع فيما عندك لا يوقفه أحد و أنت الكريم..

كرمك تجاوز آمال المؤملين

اللهم لا تخيب فيك رجاءنا..

اللهم حاربهم بهم..

اللهم انصرنا بهم..

اللهم وأخرج من أصلابهم من يوحدك و ينصر نبيك و يأخذ بثأره.

سيدي يا حبيب الله، يا خليل الله، مازلت أتساءل:

ما كل هذه الرحمة التي بقلبك؟ ما كل هذا الشغف لنشر دعوة ربك ؟

و تسألني نفسي: و أنا؛ أين أنا؟ أين أنا من ذلك؟

أي سيدي؛ أين الأمة اليوم؟

 أين أمة الإسلام؟

أين الأمة التي تنصر؟

 ماذا قدمنا لك ؟

 و ما حالنا معك ؟

إنني أتساءل بخجل: هل سيفرح بنا رسول الله يوم القيامة:

"فإني مباهٍ بكم الأمم"،

أم أنه سيقول : يا رب، إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا؟

أي سيدي يا رسول الله؛

أنت ترتقي بهمتك الثريا، و نحن ننحدر و ننحط بحالنا إلى الثرى..

 هل لنا أن ندعو الأمة اليوم و هي تعتزم الاحتفال بمولدك ؟

أمتي، أمة الإسلام: ألا تستحون؟

 أمتي يا أمة القرآن: بم تحتفلون؟

إنني أريد أن أنادي صناع الحلوى: لمن تصنعون؟ بمن تحتفلون ؟

لماذا تأكلون؟

أمتي؛ و أنتم على رأس غرة ربيع الأول، و الكل ينتظر ليلة الثاني عشر من ربيع ليعود متهللا لأولاده بعلبة الحلوى، أو الحصان أو "العروسة" أو للخروج إلى المولد ليشاهد الرقص و الموسيقى، و ليركب "المراجيح"، و يفرقع "البومب"..

ألا تستحون؟

أيا أمتي؛ ألا تستحون؟

بمن تحتفلون؟

أصار الدين لعبة؟

أصار مهرجانا سنويا؟

سبحان الملك !!

إننا لم نأخذ حق رسول الله و قد شتم و شتم و شتم..

والآن يدعون بكل صفاقة و سفالة و رذالة إلى تعميم نشرها،

و بمنتهى البساطة يسألوننا لماذا نغضب؟

فهلا جعلنا احتفالنا أن نخبرهم بسبب غضبنا؟

ستقول لي: "هل عدم أكل "السمسمية" أو "الفولية" أو "الحمصية"
هو الذي سيعرّفهم أننا غاضبون؟

الغرب يستغربون ويقولون: "واحد رسم واحدا: لماذا تضخّمون الموضوع؟ لماذا تأخذون الموضوع بحساسية؟"

هذا كلامهم.. هذا منطقهم.. هذا فكرهم..

و العيب فينا لا فيهم، فتصحيح أفكارهم الخاطئة مهمتنا..

فكيف ستصلحها و تصححها  يا مسلم.. يا موحد .. يا حبيب النبي - زعمت-؟

هل يكون الجواب بالغناء و التهريج؟

هل هذا هو الجواب؟

هل حرق أعلامهم و الخروج في مظاهرات ضدهم هو الرد؟

أليس من حقه صلى الله عليه و سلم أن نفكر جميعا في رد يبلغهم؟

نريد أن نُفهِمهم سبب غضبنا..

 نريد أن نُعرّفهم بما يحرق دمنا في هذا الموضوع..

لكن أن نحتفل بألعاب نارية و حلويات..

فما هكذا ينبغي التصرف يا خير أمة أخرجت للناس.

أخي

ماذا تنوي فعله؟ و أنت ماذا تنوين فعله؟

ماذا ستفعل في يوم الثاني عشر من ربيع الأول؟

سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وقف لوحده، فقال: " أينقص الدين أنا حي؟ ..

كلا و الله..

و الله لو خذلتني شمالي لجاهدتها بيميني".

*** لم يحتفل صلى الله عليه و سلم بالمولد و لا سيدنا أبو بكر، و لا سيدنا عمر، و لا سيدنا عثمان بن عفان، و لا سيدنا علي بن أبي طالب، و لا سيدنا الحسين بن علي، و لا سيدنا معاوية بن أبي سفيان، ولا حتى يزيد بن معاوية.. لم يقم أحد بذلك.. إلا نحن ***

 

كيف السبيل إذن للتخلص من هذا التخبط؟؟؟

لا بد من إقامة الأمة ابتداءً

و لن أقول لك: إن عليك أن تتحد مع الأصدقاء أو الجيران ..

أقول إنك تستطيع أن تكون أمة رفقة أخيك الشقيق و أمك و أبيك..

يجب على كل واحد منا أن يقول لنفسه: لو أن الأمة كلها مثلي بحسناتي و قرباتي.. بخطاياي و سيئاتي..

هل ستستحق التمكين؟ هل ستستحق النصر من السماء؟

إذن لا بد أن تكون البداية من هنا.. من أنفسنا:

"إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ"الرعد-آية:11

و لهذا نحن بحاجة إلى أن يقف كل منا وقفة ليتساءل:
ما الذي في نفسي يجب أن يتغير؟

قال رسول الله صلى الله عليه و آله و صحبه و سلم :" المؤمن أخ المؤمن يكف عليه ضيعته، و يحوطه من ورائه"حسن- سنن أبي داوود.

ولقد صرخت طويلا في خطبة جمعة سابقة لي بعنوان: "الإخاء"، و تساءلت: من لي بأخ يروق و يصفو عليّ إن كدرت عليه؟

ينبغي ابتداءً أن أكون هذا الأخ، و بعد ذلك سيجازيني الملك من جنس العمل بأن يقيض لي أخا يحوطني من ورائي .

لما أرادوا نقض صحيفة الكعبة و سعى فيها ساع، و قيل له: :"إنك وحدك لن تستطيع، فابتغ لنا ثالثا"، قال: "عندك الثالث فلان"، ولما جاء الثالث قيل : "ابتغ لنا رابعا"، قال: "عندك الرابع فلان"، قيل: "لا يقوم لها أربعة، ابتغ لنا رجلا خامسا"، قال : "عندك الخامس فلان"..

هذه هي البداية؛ نريد أن نجد رجلا يقوم بهذا الأمر.

 لقد احترق قلبي يوما و أنا أقول: "إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها" صحيح- سنن أبي داوود..

أيا ترى؛ على رأس هذه المائة -و قد مر منها تسع و عشرون سنة-

من المجدد؟

وقلت حينها: إياك أن تجول بخاطرك لتفكر :" آه الشيخ فلان، الأخ فلان، الإمام فلان...".

ـ "و لم لا تكون أنت؟"

ـ تقول لي: "لا يا عم. أنا لا أستيقظ حتى لأصلي الفجر!".

ـ "فلتصلّ الفجر، و تكون أنت".

- "و أنت؛ لم لا تكون أنت المجدد؟"

ـ "يا شيخ؛ الله يحفظك، أحتاج أن أمتنع فقط عن النظر إلى النساء".

ـ فلتمتنع، ما الذي يمنعك؟ امتنع فقد تكون أنت.

ـ "و لم لا تكون أنت؟"

ـ "يا شيخ؛ أنا لا أستطيع حفظ القرآن"

ـ "احفظ يا ابني".

أنا أريد أن أفهم؛ لماذا تجعلون من كل هذا آمالا، و تحصرونها في خانة الأماني فقط، ونتلهى بها: "ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ"الحجر-آية:3 ؟؟

إنك تجد المرء يعيش على أمل أن يحفظ القرآن، وأن يمتنع عن التدخين، وأن يقوم الليل.. و يعيش حياته على آمال كاذبة.

يا ابني قم هذه الليلة، و تكون بذلك قد حققت آمالك..

 تب هذه الليلة، و تكون قد أنجزت خطوة..

 ابدأ بالحفظ ..

الأولى إذن أن تبدأ من عند نفسك لتفتش عما يجب أن يتغير فيها.

و عليه:

- يجب أن نكتشف الخلل الذي في كل منا كي نعالج الداء،
و ننطلق بعد ذلك إلى الله.

ـ يجب إقامة الأمة بأن تكون أنت و أخوك و والداك و أفراد أسرتك بمثابة أمة: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" متفق عليه.

إن كنا عائلة، فهذه العائلة فيها طاقات ومواهب وكفاءات تحتاج لأن تنصر سيدنا النبي صلى الله عليه و آله و صحبه و سلم، تحتاج أن تحتفل بالمولد بطريقة صحيحة.

كيف تحتفل إذن بالمولد بشكل صحيح؟

ينبغي للعائلة أن تبدأ تعلم الفقه.. العقيدة.. التفسير.. السيرة .. المصطلح.. الأصول.. اللغة.. والسلوك..

العائلة تحتاج لأن تتعلم بأن تمسك كتاب " فتح المجيد" في التوحيد، أو "تفسير السعدي" في التفسير، أو كتاب " فقه السنة" في الفقه، أو كتاب "تيسير مصطلح الحديث" في المصطلح، أو "الرحيق المختوم" في السيرة، أو " البحر الرائق في الزهد و الرقائق" في التربية، و هكذا..

و نجمع العائلة على مصحف لنقرأه و نرتله، فــــ: "الماهر في القرآن مع السفرة الكرام و البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق، له أجران" رواه مسلم و غيره

-هل تعلمون كيف نستجلب احترام الغرب؟

- سيتحقق هذا عندما نحترم أنفسنا.

- هل تعرفون كيف نخيفهم؟

- سنخيفهم عندما نكون وراء سيدنا النبي:
"نصرت بالرعب مسيرة شهر" رواه البخاري و غيره.

أين ذهب هذا الحديث؟

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ" المائدة-آية:54

لما ذهبت "أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" ذهبت معها "أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ"

فإذا أردنا استرجاع الثانية يجب أن نعيد الأولى.

أريد أن أقول لأخي: "عِز أهنْ، و استطلْ أخضعْ"         

ذلك أن ربنا أمر سيدنا محمد؛ سيد ولد آدم على الإطلاق صلى الله عليه و سلم، فقال:" وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ"الشعراء-آية:215

فإن كان سيدنا النبي مأمورا بخفض جناحه،
فماذا ستفعل أنت لإخوانك المؤمنين؟

البداية إذن من نفسك، ثم إيجاد الكتلة المؤمنة في الأمة بأن يجلس أفراد الأسرة جميعا لتدارس العلم الشرعي و للعبادة.

يا حسرة على العِباد ! أيا حسرة أين العُباد؟ أين العُباد؟

 سيدنا النبي صلى الله عليه و سلم قام حتى تورمت قدماه، و قام معه الصحابة حتى صارت سوقهم مثل جذوع النخل من طول القيام..

كان سيدنا أبو هريرة و أمه يقتسمان الليل، فلما تزوج قسموا الليل ثلاثا؛ هو ثلث، و أمه ثلث، و زوجته ثلث، لكي لا يخلو البيت من قائم، و هذا هدي السلف، وبمثل هؤلاء نُنصَر..

قال حبيبك محمد صلى الله عليه و سلم :"ابغوني ضعفاءكم، فإنما تنصرون و ترزقون بضعفائكم"صحيح-صحيح الترغيب.

سيدك النبي -صلى الله عليه و سلم- صلى حتى ظنت السيدة عائشة
أنه قبض 
!!

ما أطول سجدة سجدتها في حياتك؟

الرسول صلى الله عليه و سلم لما قام الليل صلى بخمسة أجزاء و رُبعين: (البقرة و النساء و آل عمران).

"كان يصوم حتى نقول لا يفطر، و يفطر حتى نقول لا يصوم"متفق عليه..

"بكى حتى سمعنا لصدره أزيزا كأزيز المرجل من البكاء"
صحيح- صحيح الترغيب و الترهيب.

صلّ عليه! -صلى الله عليه و سلم-.

قل لي: من رأيت في خديه -في أيامنا هذه- خطين أسودين من كثرة البكاء كعمر رضي الله عنه؟

 مَن تحت عينيه مثل الشراك البالي من كثرة الدموع ؟

من سرد الصيام كطلحة الذي سرده عشرين سنة

بعد النبي صلى الله عليه و سلم؟

 من ختم القرآن في ركعة كعثمان؟

 من..؟

عليك إذن بـــ: طلب العلم .. العبادة .. الدعوة..

ادع إلى سبيل ربك..

 اقطع انشغال الناس في الحافلات بالكرة و الأغاني و الأمور الدنيوية.. و ذكّرهم بكلمة لله

 قل فقط كلمة لله، و ارمها و امضِ:

" فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى*سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى" العلق- آية:9-10.

قل كلمتك و انطلق، و منهجنا سورة العصر:

- " وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (كل الناس سيخسرون)

- إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا (العلم)

- وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (العبادة)

- وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (الدعوة إلى الله)".

أنا أحبكم في الله

الواجب أن نصوم هذا الأسبوع كله من السبت إلى الخميس تقرّبا إلى الله و إعذارا إليه..

 نعتذر إلى ربنا رافعين أيدينا عما يحدث في قضية غزة.. قضية العراق.. قضية لبنان.. قضية أفغانستان.. وقضية الشيشان..

و نقرأ كل يوم ثلاثة أجزاء..

و خلال كل هذا الأسبوع نستغفر و نصلي على النبي طوال النهار..

و نصلي بالليل قبل أن ننام إحدى عشرة ركعة، و ندعو ربنا أن يتقبل منا ويعذرنا.

بقي السؤال الأخير،و أنا و الله أحبكم في الله:

أين ستذهب في "المولد

من أين ستجلب الحلوى ؟

ولمن ستجلبها؟.

إياك، إياك أن تقوم بمثل هذا، احتفالك هذه السنة أن تعبد ربنا لكي تعذرعنده، كونك لم تستطع أن تأخذ حق حبيبك - صلى الله عليه و سلم-

أحبكم في الله

أستودعكم الله

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته


نبضات المحبين

الاسم: عبدالله
البلد: مصر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ان الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينة اللهم صلي على حيبنا ونبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم باسم الله نبدا القول اخوتي في الله احبكم في الله سمعتها من الشيخ المنير حبيبي طبعا اناعايز اقول ان بجد الشيخ ده جميل انا لما بشوفه بحس ان وجهه منور ولما بسمعه بحس ان الدنيا لسة بخير والله احبك في الله ياشيخنا ياحبيبنا كل عام وكل المسلمين بخير وصحة وعافية ونصر اسالكم اخوتي احبابي ان ندعو الله دائما لنا نحن المسلمون بالهدى والعفو والرضى والنصر اشكر كل المقيمين على هذا الخير واستودعكم الله ورعايته السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الاسم: عبدالله
البلد: مصر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اخوتي في الله احبكم في الله انا بعشق هذا الشيخ العظيم المنير اسالكم ان ندعي جميعا للمسلمين بكل مايرضي ربنا ويحبه لنا

الاسم: تلميذ محب للشيخ
البلد: المغرب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين
وبعد.. سيدي
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اسمح لي أن أذكر بعض ارتساماتي المتواضعة -كتلميذ للشيخ- بخصوص حلقة: "سيدي يا رسول الله" على قناة الناس..
أزعم ابتداءً أن الخطاب في الحلقة رغم تلفّعه بغطاء نداء الرسول صلى الله عليه و سلم إلا أنه موجه في العمق إلى الأمة.. كل الأمة..
ذلك أن الاعتذار ليس بحثا عن الإعذار فحسب، بل هو لوحة يرسم من خلالها فضيلة الشيخ بعض ملامح الانحطاط الذي أحدثه في جسم الأمة جريُها وراء الملعونة.
إن كل جملة إخبارية في الخطاب هي تقريع لأهل الغفلة الذين "يأكلون الحلوى و يبتلعون البلوى"..
كما أن كل جملة إنشائية تحمل من الإحراج لأهل الغيرة ما الله به عليم..
و دعني أبسط لك مثالا يوضح بعض ما أرمي إليه مما سبق، و هو لعمري مما يدمي القلب حسرةً..
عندما كان فضيلة الشيخ يهمّ بتسييد سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم توقف فجأة مضطرا ليعلن منهجه و يوضح عقيدته قبل أن يستطرد..
حينها أدركْتُ أن الأمة لن تنتصر ما دام فيها من يدفع العلماء إلى شرح الواضحات أحيانا ليَسْلَموا من سهام النقد البليد الحاقد.
في كثير من الأحيان -و هذه ملاحظة عامة- أجد شيخنا يتوقف ليعلن أن الاغتناء من حلال -مثلا- ليس حراما، و أن الثوب النظيف ليس حراما..
حسنا؛ هل يختلف اثنان حول حكم ما سبق؟ لا أظن !!
لماذا إذن يتغير مسار حديث الشيخ في بعض الأحيان ليشير إلى حكم أشياء هي في الأصل مما لا يسع جهله، و مما لا يُطلب الاختلاف فيه؟؟
السبب أننا نعيش في زمان الرويبضة و المتفيقهين الذين ماراعوا حرمة أهل العلم و لا حفظوا لهم مكانتهم، فتجدهم يتتبعون أخوات: (ويل للمصلين) لينفخوا فيها و لينفّروا الخلق ممن على الخالق يدلونهم.
إنه الواقع المرير الذي ذكرت آنفا أن فضيلة الشيخ يرويه بشكل أو بآخر عبر بوابة نداء المصطفى صلى الله عليه و سلم.
هذا؛ وقد راقني اعتماد الأسد في الحلقة على الجمل القصيرة المكثفة التي تشعرك أن كلا منها نص في ذاته..
وكعادته أجاد توظيف الأسئلة المستفزة التي توقظ النيام فضلا عن ذوي القلوب المتيقظة..
كما عمد فضيلته إلى الاتكال على نهج الهدوء الصارخ؛ الهدوء الذي تتغلغل عبره الكلمات إلى أعماق الأعماق..
أما المستوى البلاغي في الحلقة فتلك حكاية أخرى؛ والحديث عنها ذو شجون..
فرغم أن الخطاب جاء تلقائيا غير مصطنع، إلا أنه حمل في طياته تنوعا بين علوم البلاغة، وإن مالت الكفة في أغلب الأحيان لفائدة علم المعاني المتمثل بالدرجة الأولى في الإنشاء الطلبي، و شاهده كثرة الاستفهام و النداء.
و أدعوك أن تقاسمني -في هذا الباب- تذوق هذا المثال، و هو غيض من فيض:
قال فضيلة الشيخ:
{يأكلون الحلوى، و يبتلعون البلوى}
التعبير فيه جملة أساليب منها الترادف بين الأكل و الابتلاع، و منها الجناس غير التام بين الحلوى و البلوى، و منها السجع لتشابه الفاصلتين، و الأهم من كل هذا هو أسلوب الكناية البديع الذي تفصيله كالتالي:
المعروف أن الابتلاع تصيير الطعام إلى الجوف دون هضم، و ذي بلوى المسلمين في زماننا..
إن فضيلة الشيخ في التعبير المذكور يصوّر حالةً من الغفلة غريبةً، إذ إن المسلمين لا يتحرّون ربط تصرفاتهم بالمصادر الأمينة ليعبدوا الله على علم، والأدهى من ذلك أنه إن كان الأصل أن الابتلاع يُحْدِث صعوبة في رحلة قراره في البطن، فإن عدم الإحساس بهذه الصعوبة يُدخل المسلمين في خانة الرضا بالمعصية لعدم انزعاج القلب لحدوثها، بل إن واقع تبرير بدعة المولد يؤكد أمر الانحدار إلى مستوى الفرح بها، و هذه هي الطامة الكبرى..
على أية حال؛ كانت الحلقة حقا حلقة ملحمة..حلقة متفردة، و ما هذا بغريب على شيخ اعتدنا التميز منه عنوانا.
غير أن الجديد اللافت و الصادم لأهل الطعن في الأفاضل هو أنها -أي الحلقة- مرّت فصيحة في معظمها، ذلك أن مخاطبة الشيخ لأهله بما يعقلون كان يفسّره بعض مَن أسأل الله تعالى أن يهديني و إياهم بأنه من باب الإعراض عن الأصل قصورا ..
و كثيرا ما كنت أُخرِس هؤلاء بتوجيههم صوب الاستماع لخطبه المنبرية، حيث مدرسة الضاد تنتصب شامخة بلا ورقة.
هذا؛ و قد باحت الحلقة بحس الشيخ "الرومانسي" الذي تبلور عبر المواقف التواصلية المختلفة.. ذلك أن البعد العاطفي المرهف طفا إلى السطح بكل الجلاء؛ فالغيظ في قسمات وجه الأسد غيظ، و التذمر في قبضة يده تذمر، و الحنوّ في كل الحواس حنو..
و التباينات في المواقف الانفعالية المختلفة ترجع بالأساس إلى تباين النزعات الفكرية التي استحوذت على معجم الشيخ في الحلقة , و هي التي أسست للنص رأيته للعالم. ومنها:
* النزعة الواقعية: وهي تتجلى في رصد الشيخ لمختلف مظاهر التقهقر التي تسم حال الأمة، و التقاطه إياها بطريقة آلية فوتوغرافية تقف على جزئيات الأشياء.
و مثالها وضع اليد على مكامن الخلل في جسم الامة، و أهمها الجري وراء الملعونة..
* النزعة الدينية السلفية: وهي التي تجعل من الدين مرجعا تحليليا للظواهر والقضايا المعالجة بأسلوب مباشر حازم لا يداهن و لا يسلّم.
و قد تجلت هذه النزعة بوضوح عند بسط الشيخ أسس ومرتكزات عقيدته في بداية الحلقة.
* النزعة الإصلاحية: وتتبدّى من خلال موقف الشيخ الرافض للمبتدعات والمحذر من بؤر الغفلة.
و من تجلياتها كذلك إفراط الشيخ في المساءلة، و التذكير بالتوبة، و الدعوة إلى حمل همّ الدين، والوصية بإقامة الأمة في كل بيت.. بل في كل قلب..
*النزعة الانفعالية: و هي من دلائل الانسجام بين القول و الفعل افتراضًا؛ ولك أن تنظر إلى أسنان الشيخ كيف اصطكت عند الحديث عن "طلب دم الوغد"، ولك أن تعاين كذلك قسمات وجهه عند بسطه للتعارض الحاصل بين أخذ النبي صلى الله عليه و سلم بحجزنا عن النار، و داء البلادة المكتسبة التي تجعلنا بجهلنا نتقحم فيها.

*النزعة الأبوية: و هي المؤطرة لكل النزعات السابقة و المحتضنة لها. وشاهدها من شهير كلام الشيخ: {أنا عليكم حريص، و لكم ناصح أمين}.
هذا؛ و قد اعتمدت بنية الخطاب في الحلقة على منطق تعليلي تحليلي، و هذا راجع إلى أنّ المعجم الموظف واصف، و لغته لا تقف -و إن في حدود ضيقة- عند حدود نقل الواقع و تسمية الأشياء بمسمياتها، بل تخرق أسوار النمط التقريري أحيانا لتغوص بالمشاهد في عوالم إيحائية تفرض عليه المشاركة في إنتاج الخطاب عبر مجموعة مستويات مختلفة..
و لعل هذا هو ما دفع شيخنا إلى الاعتماد على الحوارات الافتراضية التي هي من تجليات ذكائه الشديد و فهمه الثاقب للتركيب الفكري للمتلقي..
لهذا تجده يتوقف كل حين ليطرح على نفسه أسئلة يخطفها من شفاه فئات من المشاهدين؛ فعندما يَسأل مثلا عن المانع من أن يكون كل منا مجدد العصر، يقفز سؤال أحدهم: "يا شيخ؛ أنا أصلا لا أحافظ حتى على صلاة الفجر!! فكيف أكون ذلك المحظوظ؟؟"..
و هذا السؤال ومثله يستغله الشيخ لمعالجة بعض العلل في ذات الوقت بأسلوب دقيق مباشر و مختصر: "قم و صلّ، و قد تكون أنت المجدّد".
و لم يخرج فضيلته عن عادته في الإمساك بتلابيب المشاهد من أول الحمدلة إلى تحية النهاية، فجاء عرضه للمضامين متناسقا قائما على التسلسل المنطقي التالي:
* تشخيص حال الأمة عبر الاعتذار الموجه لرسول الله صلى الله عليه و سلم، ووضع اليد على بعض صور الهوان التي دفعت أهل الكفر إلى التجرؤ على خير الورى، ثم طلب الإذن من المصطفى -تأدبا- كي يخاطب الأمة مستنكرا سباحتها عكس تيار النص النقلي، إذ أصبحت تنحو في التدليل على حب المصطفى صلى الله عليه و سلم بما لم ينص عليه دليل من الكتاب أو السنة أو سيرة السلف.
و بعد هذا التهييء النفسي عمد شيخنا إلى التساؤل عن سبل الخلاص من التخبط في البدع و الضلالات -بدعة المولد نموذجا-، فكان أن رسم للمتلقي منهجا ثلاثي الأبعاد يقوم على :
طلب العلم .. العبادة .. الدعوة..
و من بديع حنو الشيخ أنه أبى إلا أن يعيد التساؤل في نهاية الحلقة ليطمئن علينا -حفظه الله- ، و ليضع اللمسات الأخيرة على مقصد التحلية.
و عليه جاءت المضامين متسلسلة كما يلي:
التشخيص ← العتاب ← العلاج ← الوصية
فهنيئا لكم بمجاورة هذا الفاضل يا أفاضل، و "من جاور السعيد يسعد".
فبصحبته تمسكوا، و استولوا على أقصى ما تبلغه طاقتكم من وقته الغالي، فإن أهل الأرض يدفعون الثمين من مال و جهد ليضربوا في الآفاق بحثا عن مربٍّ، و أنتم ما شاء الله اصطُفيتم لتلازموا من نحسبه من أولياء الله الصالحين.
فاعقلوا النعمة بشكر المنعم سبحانه.
أسأل الله تعالى أن يبارك في عمر شيخنا الجليل، و أن يزيده علما و توفيقا، و أن يزيدنا تعلّما و تأدبا.. آمين
سيدي.. سل الشيخ أن يدعو لي بأن يرضى الله عني، وأن يرزقني الإخلاص في الأقوال والأفعال و الأحوال.
أحبّكم في الله
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته،،،
تلميذ الشيخ

أضــــف نبضــــــة
 
الربانية - الموقع الرسمى لفضيلة الشيخ
محمد حسين يعقوب